السيد عباس علي الموسوي
357
شرح نهج البلاغة
وكذلك فإنه سبحانه وتعالى رتب أمر الناس بحسب ما يراه من المصلحة فهذا غني والآخر فقير ، وهذا رفيع وذاك وضيع وهذا حاكم وذاك محكوم وهكذا وهذا أيضا من قوله تعالى : ( 1 ) وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . ( فالمتقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع ) بعد ذكره أن اللّه قد رتب أمور الناس كل واحد في موضعه أخذ في ذكر المتقين وأنهم قوم اختصهم اللّه بمزية مكارم الأخلاق والفضائل فكانوا مجمعا لها وملتقى الصفات الحميدة . . . المتقون في الدنيا هم أهل الفضائل في التصور والمفاهيم والنظرات والعمل والسلوك . . . ثم فصّل تلك الفضائل وذكرها ضمن أمور . 1 - منطقهم الصواب : فلا يكذبون ولا يسبون ولا يشتمون ولا ينّمون ولا يغتابون بل قولهم الحق والعدل وما فيه نفع وخير . . . 2 - ملبسهم الاقتصاد : أي ملابسهم معتدلة كأواسط الناس فليست مبتذلة بالية ولا هي من أجود القماش وأفضله . 3 - ومشيهم التواضع : يمشون بتواضع بدون تكبر ولا استعلاء لا تظهر عليهم الخيلاء ولا الزهو لأن ذلك مكروه للهّ مبغوض له . . . 4 - ( غضوا أبصارهم عما حرم اللّه عليهم ) فبينهم وبين ما حرّم اللّه النظر إليه حاجز من تقوى اللّه فلا تمتد أعينهم إلى ما حرم عليهم بل تراهم يغضون أبصارهم عنه ويكسرونها حتى لا يرون حراما . 5 - ( ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ) فهم يلتقطون ما ينفع في المعاش والمعاد دون ما سواه مما يضر ويؤذي فلا يستمعون إلى غيبة ولا نميمة ولا فحش ولا غناء وما أجمل تعبير « وقفوا » التي تتجمد عندها الأسماع لتصغى لما ينفع فحسب . . . 6 - ( نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء ) تساوت عندهم المنحة والمحنة ، السراء والضراء النعمة والبلاء فأنفسهم راضية في المصائب والبلايا كرضاها في أيام السعة والرخاء . . لأنها تعلم أنها كلها من عند اللّه وإن البلاء عليه أجر وثواب ولا بد
--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آية 32 .